تخرج رودلف ديزل من المعهد الملكي للتقنيات في ميونيخ الأول على دفعته و محققا أفضل النتائج في تاريخ المعهد، ثم انتقل للعمل في باريس في مصنع لصنع آلات التبريد و الذي كان على ملك المهندس الألماني كارل ليند Karl Linde استاذ رودلف ديزل و مخترع ما يعرف اليوم بالثلاجة (Refregirator).
اضغط على الصورة لعرض أكبر.*  الإسم:	carl-von-linde.jpeg* مشاهدات:	0* الحجم:	11.8 KB* الهوية:	2245
كارل ليند مخترع الثلاجة و استاذ رودلف ديزل

كانت الفترة التي قضاها رودلف ديزل في مصنع آلات التبريد مهمة في صقل كفاءته من حيث التمكن من قوانين الديناميكا الحرارية، حيث لا تزال فكرة صنع محرك مرتفع المردودية بتحويل أقصى ما يمكن من الطاقة الحرارية إلى طاقة ميكانيكية تشغل باله في أوقات فراغه. و ربما كانت أيضا من مسببات اختراع محرك الديزل كما يقول بعض المؤرخين دوافع إنسانية عبر عنها رودلف ديزل في كتابه الذي كتبه سنة 1903، عنوان الكتاب: "التضامن: الخلاص الاقتصادي الطبيعي للإنسان". يحمل هذا الكتاب نظرته الاجتماعية للمؤسسة الصناعية و دعوته لإرساء نسيج صناعي أكثرا عدلا و يعطي فرصا أكبر للطبقات الضعيفة، و هذا مما دفع رودلف ديزل للبحث عن مصدر بديل للطاقة الميكانيكية يعمل بتكلفة أقل و يعطي فرصة للحرفيين الصغار في مواجهة الرأسمالية الصناعية القادرة على مجابهة تكاليف المحركات البخارية الهادرة للطاقة.

على كل، رغبة قوية في صنع محرك بتكلفة أقل و عزم على إخراجه للوجود، كان هذا ما يشغل بال المهندس الشاب في أوقات فراغه، ولكن دون أن يمنعه ذلك من تسجيل براءات اختراع في أنظمة التبريد حين كان مديرا لأول مصنع للثلاجات تحت إشراف استاذه الذي علمه مبادئ الديناميكا الحرارية كما ذكرنا سابقا.




في سنة 1890 انتقل رودلف ديزل إلى برلين لمواصلة الإشراف على إدارة الأبحاث في مصانع التبريد التي يعمل فيها.
كادت أول محاولة منه لصنع محرك أن تقضي على حياته، حيث حاول صنع محرك بخاري يعتمد على بخار الأمونياك لكن انفجر المحرك في وجه مما كلفه نقاهة لعدة أشهر و تأثيرات خطيرة على صحته و بصره.




اضغط على الصورة لعرض أكبر.*  الإسم:	الأمونياك.jpg* مشاهدات:	0* الحجم:	62.0 KB* الهوية:	2249
تصميم بخط اليد لرودلف ديزل لمحرك الأمونياك الذي انفجر في وجهه


في ذلك الوقت كان قد تم اختراع المحرك ذو أربع أشواط منذ أكثر من عشر سنوات من المهندس الألماني نكولاوس أوتو سنة 1876 تحديدا و الذي كان يعمل بالبنزين، كان هذا المحرك يقوم على مبدأ ضخ خليط من الهواء و البنزين داخل الاسطوانة ثم إشعاله باعتماد شرارة كهربائية لتوليد ضغط يولد طاقة ميكانيكية، و هو المبدأ العام الذي تعمل به كل محركات الاحتراق الداخلي في ما بعد، حيث كانت أولى محاولات المهندس أوتو تقوم على حرق خليط البنزين و الهواء لإحداث فراغ في الاسطوانة لتتم الاستفادة من قوة الضغط الجوي المندفع للاسطوانة.


اضغط على الصورة لعرض أكبر.*  الإسم:	Nikolaus August Otto.jpg* مشاهدات:	0* الحجم:	27.0 KB* الهوية:	2246
نكولاوس أوتو مخترع المحرك ذو الأربع أشواط

لكن رودلف لم يرضى بما وصل إليه مواطنه نكولاوس أوتو كون هذا المحرك غير صناعي بسبب كلفته، و هذا لا يتماشى مع الهدف الذي رسمه لنفسه و هو صنع محرك صناعي غير مكلف يمكن استغلاله من قبل الحرفيين و الصناعيين الصغار في ورشاتهم لمجابهة الصناعيين الكبار القادرين وحدهم على تركيب و استغلال المحركات البخارية الضخمة و المكلفة.

تأمل رودلف ديزل كما هو مدون في كتاباته المحركات البخارية، و استنتج أن الحلقة الأضعف في هذه المحركات الصناعية تكمن في مسخنات الماء حيث يحصل هدر طاقة حرارية هائلة دون الاستفادة منها. طبعا ذكرنا سابقا أن تكوين رودلف ديزل كان على يد مخترع الثلاجة الذي تكون بدوره على يد أحد الآباء المؤسسين للديناميكا الحرارية و هو رودلف كلاوسيوس، واضع المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية سنة 1850 على أسس علمية بعد أن تحدث عنه الفرنسي كارنو في أوّل مرّة.

و هنا يمكن القول أن هناك سببان رئيسيان لاختراع محرك الديزل، النزعة الإنسانية التي جعلته يسعى لصنع محرك غير مكلف يكسر احتكار الصناعيين الكبار للطاقة الميكانيكية، ثم التمكن و التخصص في علم الديناميكا الحرارية الذي كشف له مراحل التحول من الطاقة الحرارية إلى الطاقة الميكانيكية بدقة علمية مما جعله ينتبه إلى مكامن الخلل في كل المحركات الحرارية التي صنعت في زمنه، و هذا دون أن ننسى عبقرية رودلف ديزل الحاسمة في كل هذا الأمر.

إذا كانت مسخنات الماء في المحركات البخارية تشكل نقطة الضعف في سسلسلة إهدار الطاقة الحرارية، لماذا لا يتم وضع كل الحرارة المولدة في مكان واحد و استغلالها لتوليد الطاقة ؟ هكذا تساءل رودلف ديزل كما هو مدون في ملاحظاته، فعمل على تصميم فكرة محرك يحرق فيه غبار الفحم مباشرة في الاسطوانة، لحرق هذا الغبار كان لابد من رفع الضغط في الاسطوانة لدرجة توليده الحرارة الكافية التي تفوق درجة الاحتراق الذاتي لهذا الغبار، فيحترق حينئذ بسبب هذا الضغط. طبعا لم تنجح التجارب الأولى ليتم استبدال غبار الفحم بالزيوت الثقيلة المستعملة آنذاك في الإنارة و زيوت النباتات و التي كان في الحقيقة قد حاول تجربتها قبل استعمال غبار الفحم كما جرب البنزين أيضا و لم يؤدي للنتائج المرجوة، و لكن المهم اكتملت نظريا على الأقل الفكرة لدى رودلف ديزل ليصمم محرك بمردودية أكبر و يعمل بوقود أرخص، بمخاطر احتراق أقل، و مدة استعمال أطول لينتج عزما أكبر من كل ما سبق، باختصار: رفع الضغط لتوليد مصدر حرارة تحرق الوقود، و هنا تكمن عبقرية الاختراع و مصدر كل إيجابيات محرك الديزل كما سنرى في ما بعد.

صمم رودلف ديزل محركه سنة 1892 و سجل أفكاره سنة 1893 ليتم منحه براءة اختراع تحمي حقوقه لمدة 15 سنة، ثم كتب نظريته بشكل مفصل في كتاب نشره للعموم يحمل عنوان: "نظرية وبناء محرك حراري عقلاني ليحل محل المحركات البخارية ومحركات الاحتراق الداخلي المعروفة اليوم".


اضغط على الصورة لعرض أكبر.*  الإسم:	patent_dieselengine.jpg* مشاهدات:	0* الحجم:	54.2 KB* الهوية:	2247
براءة اختراع محرك الديزل

بحث رودلف ديزل عن مصادر تمويل لصنع محركه. راسل في بادئ الأمر مؤسسة دوتز Deutz أشهر مؤسسة آنذاك في تصنيع المحركات الحرارية و التي كانت تعمل بالغاز و البنزين. في ورشات دوتز تم اختراع محرك الأربع الأشواط و الذي يعمل بالبنزين، لكنهم رفضوا تبني مشروعه في نهاية الأمر. راسل حينئذ رودلف ديزل مؤسسة Maschinenfabrik Augsbourg و لكن رئيس المؤسسة رفض الفكرة بعد استشارة المهندسين في مؤسسته و الذي أقروا باستحالة تصنيع محرك يتحمل ضغط أكثر من 200 "بار"، راسلهم رودولف ديزل مرة أخرى مخفضا مقدار الضغط إلى 44 "بار"، و هي تقريبا مقدار الضغط الذي تعمل به محركات الديزل اليوم.

وافق في الأخير إثنان من أكبر رجال الصناعة في ألمانيا: ألفريد كروب Alfred Krupp رئيس مجموعة Krupp لصناعات التعدين و هاينريش فانبوز Heinrich von Buz رئيس مؤسسة Maschinenfabrik Augsbourg المختصة في صناعة المحركات البخارية و التعدين و الآليات و التي عرفت ابتداء من سنة 1898 إلى اليوم بمؤسسة مان MAN، لتكون هذه المؤسسات إضافة لمؤسسة الإخوة سولزر Sulzer السويسرية أول من صنّع محركات الديزل في العالم.


اضغط على الصورة لعرض أكبر.*  الإسم:	heinrich_von_buz.jpg* مشاهدات:	0* الحجم:	9.9 KB* الهوية:	2248
هاينريش فونبوز رئيس مؤسسة "مان" MAN

لن يستغرق الأمر أكثر من ستة أشهر لصنع المحرك و بداية بيعه، هكذا طمأن رودلف ديزل مموليه، فعلا استغرق الأمر بضعة أشهر لصنع أول محرك تحطم بعد حوالي دقيقة من الدوران، لكن استغرق البحث و التطوير أكثر من أربع سنوات في مصانع "مان" للوصول إلى أول محرك ديزل يعمل بكفاءة، و ذلك بعد صراع مرير مع المهندسين الذين يعملون معه و الذين توسلوا رئيس المؤسسة لإيقاف التجارب قبل أن يقتل المحرك الفاشل واحدا منهم.


اضغط على الصورة لعرض أكبر.*  الإسم:	first diesel engine 1897.jpg* مشاهدات:	0* الحجم:	56.7 KB* الهوية:	2244
صورة لأول محرك ديزل يعمل بكفاءة سنة 1897